حكايا الهوميوباثي (0)

 

قدّمت قبل عشر سنين مسودة مشروع لتطوير جهة ما، ولم تكن كتابتي لبعض بنود المشروع واضحة بما يكفي؛ فرفضها غالبية أعضاء مجلس الإدارة، إلا أن أحدهم استوعب الفكرة وتحمس لها.. ودعاني لمناقشتها أمام المجلس، وكانت لرئيس المجلس مواقف أبدت لي أنه يعاديني شخصيا.. رغم أنه لم يظهر لي عداءه بشكل مباشر؛ فقد رفض انضمامي للعمل بمجرد رؤية اسمي – مع أنه لا يعرفني من قبل – رغم موافقة صاحب الصلاحية.. كما تسبب في تغيير عقد عملي معهم بعد توقيعه للأسوأ.. وغير ذلك.
الحاصل.. دخلت وسلمت، وابتسم لي الرئيس مرحبا، وأخذ يحدثني عن أهمية احترام رأي الأغلبية وتقبل نتيجته مهما كانت بروح رياضية، وعن أنني ما زلت شابا والفرص أمامي كثيرة.. الخ، ثم بدأ أعضاء المجلس هجوما قاسيا على فكرتي.. والرئيس يجلس باسما منتعشا.. مظهرا حياده التام، بعد انتهاء هبّة الانتقادات.. ناقشت اعتراضاتهم بهدوء، ووضحت فكرتي.. وأجبت عن الأسئلة والمداخلات ببيان تام، فانقلب الموقف وأيدني بقية أعضاء المجلس عندما اتضح لهم تفاصيل المشروع وحقيقته، وبدأ الترتيب بحماس للبدء في التنفيذ.. ما أصاب الرئيس بصدمة ذهول؛ فطارت بسمته ولطافته لتحل محلها حدة واضطراب.. فانفعال مرتبك ومحاولة لقول أي كلام.. مثل أن المشروع غير واقعي وغير قابل للتنفيذ.. أو أنه يستهلك وقتا طويلا جدا ويحتاج لمصاريف عالية.. قاطعه أكبر أعضاء المجلس سنا وقال له بحزم.. لقد شرح الأخ معد المشروع كل هذه النقاط وبين لنا أنها لا تمثل إشكالات أبدا ونحن موافقون على مساعدته في تنفيذ مشروعه الطموح.

هذا الموقف ليس من حكايا الهوميوباثي بطبيعة الحال.. إنما أتذكره كثيرا كلما شاهدت الهجمات الغاشمة على الهوميوباثي.. والتي تضاعفت السنوات الأخيرة تزامنا مع تضاعف نجاحات الهوميوباثي وتوسع انتشاره، هذه الهجمات تذكرني باضطراب صاحبنا رئيس المجلس في قصتي.. اضطراب انفلات القوة بعد حصارها بالمنطق.

فبعدما انتشر الحديث حول العالم عن تحسن وتعافي حالات يصفها الطب الحديث بأنها بلا علاج – كالتوحد والتصلب المتعدد – بعلاجات الهوميوباثيك، ومع وفرة الأبحاث العلمية المحكَّمة المؤيدة لنتائج علاجات الهوميوباثي، وتنامي دعمه من علماء بارزين في مختلف التخصصات – ومنهم حائزون على جائزة نوبل – على عدة مستويات؛ بدءا من الدعم المعنوي مرورا باستخدامه والتداوي به وحتى المشاركة في مؤتمرات علمية بأبحاث ودراسات داعمة له، بعد هذا كله لم يجد الرافضون للطب التجانسي وسيلة يحاربون بها نجاحاته غير الاضطراب والعنف والعدوان بصنوف من العداوة سافرة ومستترة تزداد ضراوة يوما بعد يوم، اعترض على الهوميوباثيك كما تشاء.. لا غضاضة في ذلك؛ خالفه وانقض أفكاره وأظهر عيوبه.. كل ذلك صحي ويدعم الصالح العام، لكن لا تفجر في الخصومة فتستخدم أساليب الرعاع في علم من أشرف العلوم.. الطب والصحة.

ابحث عن الطب التجانسي اليوم – دون فرض قناعاتك المسبقة – تجد مئات الكتب والمراجع.. وآلاف العلاجات.. وعشرات الآلاف من المعالجين.. ومئات الملايين من المرضى المستفيدين من الهوميوباثي حول العالم.. والأعداد في ازدياد مضطرد.

هل هذه حكاية الهوميوباثي؟؟ نشأ وترعرع ونجح فحاربوه؟؟

لا.. بل حكاياته أطول وأعرض وأنجح، وكلما واتتنا الفرصة هنا في مدونة دكتور السقدانة حكينا واحدة منها بعون الله.

أما الآن فسنشرع من التدوينة القادمة – مستعينين بالله – في الحديث عن الصحة والمرض والتعافي وقوانينه والتداوي ووسائله.. وفق مفاهيم وقوانين الطب التجانسي.

 

كما لا يطيق الغاشمون الحق والجمال فيعتدون – حسدا – على كل جميل.. اعتدى أشقاهم قبل يومين على مصلين يعبدون الله في بيت من بيوت الله.. ظنا منه أنه بقتلهم يقتل الإسلام أو يطفئ نوره.. ولا يدري الموتور أنه إنما قتل الخير في نفسه ونحر الإنسانية من حياته مع كل نفس أهلكها، وحجز نفسه عن النور والهدى بكل حرمة انتهكها، ويبقى الإسلام والمسلمون جمالا تسطع أنواره.. وحقا نقيا تزيده كل إصابة ألقا.. ونورا من نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

في الهوميوباثي فقط.. من النقاط تفيض “الأدوية”

رغم ما ذكرناه في التدوينة السابقة من تداوي بعض الوجهاء والمشاهير وذوي اليسار بالطب التجانسي.. إلا أن الهوميوباثي صديق الفقراء، ومرضى القارة الهندية المتداوون بالطب التجانسي أكبر شاهد على ذلك؛ إذ يفد على عيادات ومراكز الهوميوباثي في الهند وحدها آلاف الحالات يوميًّا، وليس في الآلاف مبالغة؛ فعيادة مركز بانيرجي للأبحاث مثلا – وهم أبناء أسرة توارثت مهنة الطب الهوميوباثي لما يربو على قرن ونصف – تستقبل يوميًّا ألف حالة أو أكثر.. عدا الزيارات المنزلية.

ومن الشواهد على أن الطب التجانسي صديق للفقراء.. استفادة مئات الفقراء من مرضى القارة السمراء “إفريقيا” من معالجي الهوميوباثي المتطوعين الوافدين على بعض بلدانها الغارقة في الفقر والمثقلة بالمرض.

ولا أحب أن أتطرق هنا لحملات التنصير والجماعات الدينية المختلفة التي تستخدم الهوميوباثي في مساعدة المرضى الفقراء، ويكفي أن نتذكر أنّ المنصّرة الأشهر في العصر الحديث وهي الأم تريزا كانت ترعى وتعالج أتباعها ومَن تسعى لتنصيرهم باستخدام مهارتها ومهارة أعوانها في الهوميوباثي، وسبب ذلك بطبيعة الحال – بعد فاعلية علاجات الهوميوباثي – رخص تكلفة التداوي به.

قد يظنّ مَن يقرأ هذا الكلام أنّ إعداد علاجات الهوميوباثي يسير ولا يكلف شيئا، والحقيقة خلاف ذلك؛ إذ إن أكثر أدوية الطب التجانسي محضّرة مِن مصادر طبيعية، نباتية أو حيوانية أو معدنية، وتُنتقى مكوّناتها بعناية من مواطنها الأصلية، ثم تفرَز وتنظَّف وتعالَج على عدّة مراحل إلى أن ينتج من المكون الأساسي للدواء سائل أولي يسمى “الصبغة الأساسية أو الصبغة الأم mother tincture”، وهذا المقطع الظريف المصوَّر سينيمائيًّا قبل أكثر من ثمانين عاما يعرض المراحل الآنفة الذكر ويبيّن مدى الدقة والعناية المبذولة في عملية تحويل بعض النباتات بعد جنيها من البراري إلى صبغات أساسية، وقد تطورت تلك التقنيات في الوقت الراهن.. وإن لم تختلف دقّتها كثيرا.

هذا السائل الأساسي هو المكوّن الأوّليّ للدواء، وهو مادة طبيعية تمتلك خواص علاجية وسمّيّة بطبيعة الحال، غير أنه ليس علاجا هوميوباثيا كاملا، ولتحويله لعلاج هوميوباثي يتم ترقيقه، وبعملية الترقيق يتحول السائل الأساسي إلى دواء هوميوباثي بقوى مختلفة – حسب درجة الترقيق -، وتنتج القطرة الواحدة من الصبغة الأم مئات الجرعات من الدواء، واللطيف أن الترقيق يحيّد الآثار السميّة للدواء ويعزز فائدته وينتج من قطراته كميات كبيرة من العلاجات الفعالة، وهذه العلاجات توضع في عبوات مثل التي في الصورة أعلى التدوينة، ثم يستخدم منها المعالج – أو من يحضّر له الدواء – بضع قطرات فقط.. توضع على حبات السكر التي يتناول منها المريض حسب التعليمات.

وهكذا.. فإن نقطة واحدة من الصبغة الأساسية تملأ عبوات وعبوات من الدواء، ونقاط بسيطة من الدواء تصنع جرعات عديدة، لذلك فإن تكلفة علاجات الهوميوباثي منخفضة نسبيا، وكثير من معالجيه – لا سيما في البلدان الفقيرة – يتقاضون مبالغ زهيدة مقابل الكشف وصرف العلاج، كما أن استخدام علاجاته في حالات الأوبئة والأمراض العامة لا يكاد يكلف شيئا.

أما ارتفاع تكاليف الكشف لدى بعض المعالجين حول العالم فذلك يرجع إلى عوامل مختلفة.. قد نتطرق لبعضها لاحقا بمشيئة الله.

علاجات الهوميوباثي.. وهْمٌ

يستخدم الباحثون عادة في التجارب الطبية الدوائية دواء بلا دواء؛ ليضبط صدق التجربة ويبيّن إن كان أثر الدواء المراد إثبات فعاليّته حقيقيًّا أو وهميًّا، ويسمى هذا الدواء “الدواء الوهمي أو الدواء الإيحائي Placebo” لأن المعالج إذا أوهم المريض بأنه يعطيه دواء مفيدا لشكواه.. مما يوحي له أن الدواء فعّال ومناسب لحالته.. وهو في الواقع يعطيه لا شيء.. يعطيه دواء لا يحوي أي مادة فعالة.. قد يحصل في هذه الحالة أن يستجيب بعض المرضى للعلاج الوهمي ويشفون تماما، لذلك يُستخدم مثل هذا الإيحاء لضبط التجارب؛ فيقسّم المرضى لمجموعتين مثلا.. مجموعة تتناول الدواء الحقيقي وأخرى تتناول الدواء الوهمي، وبعد المتابعة الدقيقة للنتائج يقارن الباحث بين نتائج المجموعتين.. وبتلك المقارنة يستطيع أن يحكم إن كان الدواء الحقيقي فعّالا أم لا.

جميل.. هذه المقدمة الإحصائية البسيطة مهمة، وربما ستعود لتتأملها وتتمعن فيها بعد قليل، لأن أول اعتراض واتهام يواجهك حين تبحث عن الهوميوباثي هو أنه علاج وهمي.

بطبيعة الحال هذا اتهام باطل.. وما كنت لأضيع وقتك ووقتي في الحديث عن الطب التجانسي لو كان لهذه التهمة أي وزن.

ولأثبت لك أن هذا الاتهام باطل فعَليّ إرشادك لأحد طريقين؛ الطريق الأولى أن تنظر بنفسك وتتصفح مئات الأبحاث والأوراق العلمية التي تتحدث عن تجارب سريرية مختلفة استخدم فيها الهوميوباثي بنجاح لا نظير له.. سواء لحالات مرضية فردية أو لعلاجات أو أمراض بعينها، وذلك يستلزم أن تكون لك دراية بقراءة الأوراق العلمية وقدرة على تقييمها دون التأثر برأي المادحين ولا القادحين، كل ذلك من المجلات العلمية المتخصصة في الهوميوباثي أو الطب الطبيعي.

الطريق الأخرى.. أن تتأمل معي بعض الحقائق البسيطة التي يمكنك التأكد من صحة ما أقوله عنها ببحث يسير عبر الانترنت.. ثم بإعمال منطقك السليم ستقرر بنفسك إن كانت علاجات الهوميوباثي وهما أم لا.

صامويل هانمان.. الطبيب والعالم الألماني الذي وضع قواعد الطب التجانسي ومارسه وصنّف كثيرا من علاجاته وألّف فيه وعلّمه لكثيرين، وبعد وفاته منتصف القرن التاسع عشر انتشر علمه بانتشار كتبه وتلاميذه شرقا وغربا، بل عبر البحار حتى وصل إلى القارتين الأمريكيتين، وبعد نصف قرن على وفاته أقام له محبوه نصبا تذكاريا في العاصمة الأمريكية واشنطن تكريما لإسهاماته، وحضر الاحتفال بتلك المناسبة الرئيس الأمريكي حينها وحرمه؛ وهما من أنصار الهوميوباثي.

أسهم في تطوير الهوميوباثي من وفاة هانمان إلى عصرنا الحالي عشرات العلماء المرموقين من مختلف التخصصات، وبعضهم ممن حصل على جوائز علمية مرموقة، فضلا عن آلاف المعالجين البارعين حول العالم.

مرّ تعليم الهوميوباثي بفترات انتشار وانحسار، ومدارس ومعاهد الهوميوباثي منتشرة حاليًّا في معظم أنحاء العالم؛ بدءا من اليابان في أقصى الشرق انتهاء بكندا والولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية في أقصى الغرب، مرورا بالهند وروسيا وكثير من دول أوروبا وغيرها.

أما ممارسته فتكاد تكون مرخّصة في كل دول العالم.. على تفاوت في مستوى الترخيص بين الإذن بفتح عياداته وبيع علاجاته كما في الإمارات العربية المتحدة، وبين دخوله في التأمين الصحي الرسمي كما في بعض دول أوروبا، وبين إشراف وزاريّ على تدريسه وممارسته والبحث العلمي حوله كما في الهند.

تصنّف منظمة الصحة العالمية الهوميوباثي على أنه ثاني الأنظمة الصحية انتشارا بعد الطب التقليدي الحديث، وتذكر الإحصاءات تزايد من يستخدمون علاجاته بنسب عالية حول العالم.

أما أنصاره والمتعاملون به حول العالم منذ نشأته للآن فهم يشملون كل شرائح المجتمع؛ من الملوك والرؤساء والساسة للأثرياء والمشاهير لنجوم السينما والرياضة للمثقفين والأكاديمين وحتى الفقراء والمعدمين، مثل من؟؟ مثل تشارلز داروين ومهاتما غاندي والأم تريزا والملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا وستيف جوبز وديفيد بيكهام.. الخ.

كل هذا ويقول بعض الناس إن علاجات الهوميوباثي وهم.

العلاج الوهمي الإيحائي يمكن أن يوهم من يدرك أنه يتناول دواء ما لمشكلة ما، بعبارة أخرى فإنه قد يؤثر على من يتناوله وهو واع ومدرك.. فلماذا يؤثر الهوميوباثي على من هم في غيبوبة؟؟ وكيف يستجيب له الأطفال؟؟ بل كيف تنتفع بعلاجات الطب التجانسي النباتات والحيوانات أجلكم الله.

صيدلية الهوميوباثي بها ما يربو عن ستة آلاف عقار؛ أليس من الأسهل عند استخدام علاج وهمي أن يكتفي المعالج ببضع عقارات يمارس بها خداعه وإيهامه؟؟

أما لماذا كانت هذه التهمة هي الأبرز بين الادعاءات ضد الهوميوباثي؟؟ فذلك أمر آخر.. قد نتطرق له عند الحديث عن قوانين الهوميوباثي أو عند الحديث عن تحضير علاجاته.

الهوميوباثي ليس وهما.. بل هو وعي وسعي للعافية.

تمم الله لكم ولأحبابكم العافية.

 

*في الصورة جانب من حافظة صغيرة محمولة تحوي بعض علاجات الهوميوباثي الشائعة.

الهوميوباثي.. بحيادية

أنا منحاز تماما للهوميوباثي عندما أتحدث عنه، ليس ذلك سرا أذيعه ولا تحديا أعلنه، إنما هي حقيقة بسيطة مشاهدة يعرفها كل من تعامل معي، كما أن منافع الهوميوباثي وفعاليته حقيقة بسيطة واضحة مشاهدة يعرفها كل من تعامل مع الطب التجانسي.

عندما أشاهد طفلا لبعض معارفنا يتألم أشد الألم هو ووالداه بسبب إصابته بالأنيميا المنجلية، يتألم جسده من أبسط لمسة، ويدخل غرفة الطوارئ مرة أو مرتين كل أسبوع، وينقل له الدم في كل زيارة للطوارئ، ولا يكاد يبتسم وينشط ليلهو مع أقرانه إلا وتعاوده الآلام، ودائما تعلو الكآبة محياه، مع أدوية وعلاجات كثيرة يتناولها يوميا رغم حداثة سنه، وأرى بعض ألم والديه.. إشفاقا وحماية ومشقّة، ثم يوما ما تحمله أمه وهو في السابعة من عمره لمعالج هوميوباثي.. فيبدأ التحسن بعد تلك الزيارة، وتدب الحيوية تدريجيا في الولد فينشط ويضحك ويلهو، وتقل زيارات غرفة الطوارئ تدريجيا حتى تصل إلى زيارة كل بضعة أشهر.. مع دهشة ظاهرة على الطبيب الذي يعالجه عندما يشاهد نتائج تحاليله، عندما أشاهد تلك الحادثة وأتابع تفاصيلها وتداعياتها في نفس الوقت الذي يتحدث فيه كثيرون في الإعلام والحملات الصحية التوعوية عن خطر الأنيميا المنجلية وأنها مرض وراثي لا علاج له ويجب منع حدوثه بالفحص المبكر قبل الزواج.. كيف لا أكون حينها منحازا للهوميوباثي؟؟

عندما ألتقي قريبا لي في مناسبة عائلية.. وأتجاذب معه أطراف الحديث بعد وجبة العشاء الشهية المترعة لحما وشحما.. وبعد احتساء عدة فناجين من القهوة العربية.. ونتذكر معا كيف كانت صحته قبل ثلاثين سنة عندما أصابه داء النقرس بحيث لم يعد قادرا على لبس ثوبه ولا قيادة سيارته دون مساعدة بسبب شدة الآلام.. رغم الحمية الصارمة التي يتبعها وحبات الدواء التقليدي التي يتجرعها مرات يوميا، ثم يحكي لي كيف أن زيارته لمعالج هوميوباثي شهير بمكة حرسها الله كانت كافية ليتخلص تماما من المشكلة؛ فتتعافى مفاصله وتختفي آلام جسده ويأكل ويشرب من نعم الله ما لذ وطاب دون أن تعاوده الشكوى طوال تلك السنين، هل يمكنني بعد أن شهدت آلامه المبرحة ثم رأيت تعافيه واستمتاعه بالحياة لعقود ألا أنحاز للهوميوباثي؟؟

عندما أتذكر كيف كنت طفلا كثير المرض، وكيف كانت الحمى تزورني شهريا مرة أو مرتين.. ولا يأتي موسم الامتحانات إلا وتنتابني حمى شديدة، ثم يزورنا معالج هوميوباثي غير محترف زيارة اجتماعية.. ومع تكرر زيارته لنا يراني مريضا في كل زيارة، فيستفسر عن الأمر.. وعندما يفهم الصورة كاملة يستنكر ويقول هذا الحال لا يجب أن يستمر، ثم يرسل لنا بضع جرعات من حبوب السكر الحلوة.. فأتناولها وأطيب، والأهم أن الحمى تقلل زياراتها المزعجة، وتصبح زياراتها أقل حدة، حتى أكاد أنساها.. والحمد لله الشافي المعافي، أليس من حقي أن أنحاز للهوميوباثي؟؟

عندما أرى عدة أطباء اختصاصيين واستشاريين تقليديين يحكون بتعجب تجربتهم الشخصية مع المرض الحاد أو الحمى الشديدة التي لم تنجح العلاجات المختلفة في تخفيف حدتها، وكيف أنهم – رغم استنكارهم التام للطب التجانسي الهوميوباثي ورفضهم له – زاروا معالج الهوميوباثي بعد إصرار وإلحاح من بعض الأصدقاء، ثم خلال يوم أو يومين من تناول العلاج.. وكأن المرض لم يكن.

عندما أشاهد في نفسي وأحبتي ومعارفي من هذه المواقف عشرات قصص التعافي.. في مواقف وشكاوى مختلفة ومتباينة؛ بدءً من الإنفلونزا والحمى الموسمية ومرورا بحالات العدوى الشديدة البكتيرية والفيروسية والفطرية والأمراض الجلدية المختلفة والشكاوى النفسية ومشاكل العظام والمفاصل والعمود الفقري والجروح والحروق والقروح.. ودون حد للقائمة، عندما أقف بنفسي على تلك الحالات وتدهورها وتحسنها بالهوميوباثي.. فضلا عما قرأت وسمعت عنه.. أظن حينها أن انحيازي له ليس إلا ردة فعل طبيعية ومنطقية ومقبولة تماما.

لكنني مع انحيازي للهوميوباثي سأكون حياديا جدا.. وستتجلى حياديتي في حديثي خلال تدوينات مدونة دكتور السقدانة كما كانت في تغريداتي عبر حساب دكتور السقدانة على تويتر  في جانبين:

  • ألا أنتقص من الطب التقليدي أو من غيره من مدارس الطب المختلفة؛ فأنا مقتنع تماما بأهمية التكامل بين مدارس الطب المختلفة، وعندما أحب امتداح جبل كليمنغارو – مثلا – وشموخه وتنوع بيئاته.. لا أحتاج لانتقاص أي جبل آخر لأثبت وجهة نظري، يكفي فقط أن أتحدث عنه بتفصيل ودقة وحسن بيان.
  • ألا أتحدث إلا بما أعرفه معرفة جيدة؛ إما بمشاهدة وتجربة شخصية، وإما بدراسة وتعلم، وإما بما ذكر باستفاضة في مراجع الهوميوباثي المعتمدة.

فمرحبا بكم في عالم من الحيادية؛ منحازٍ للهوميوباثي.. وساعٍ للعافية.

 

*في الصورة يظهر الشكل الأشهر لعلاجات الهوميوباثي؛ حبّات السكر الكروية.

مرحبا بالهوميوباثي.. ومرحبا بالعافية

شاهدت مرة جانبا من فيلم وثائقي عن بعض هواة صيد السمك برفقة أحد أبرز معلمي الغوص وهواة الصيد في العالم العربي، يصور الوثائقي مغامرات صيد الأسماك الكبيرة من قارب صغير نسبيا في البحر المفتوح، وكان الصيادون يتنافسون في ما بينهم باستعراض حجم السمكة التي يصطادها كل منهم، أسماك ضخمة الحجم جميلة الشكل.. وكما تبدو فهي شهية الطعم، المفاجئ لي أن الاستعراض يستغرق بضع دقائق يحمل فيها الصياد سمكته – التي لا يقل طولها عن طوله بكثير – ويتصور معها باسما فرحا، ثم ينزع من فمها مخلب السنارة ويلقيها في الماء.

اعتبرت هذا الفعل في غاية الوحشية، إلا أن رفيقي نظر لي باسما وقال: لا تحزن على الأسماك؛ فهي ستتعافى من جرح فمها في بضع دقائق، كل مخلوقات الله لديها القدرة على التحمل والتعافي السريع، والإنسان هو المخلوق الضعيف الذي يكثر التشكي.

رغم أن تبريره لم يخفف كثيرا من وحشية تلك الهواية في نظري، إلا أنه نبهني إلى أن التعافي إنما يكون من داخل الجسم لا من خارجه، هذا التعافي يكون في الحيوانات القوية كما يتم في الإنسان الضعيف الذي خلقه ربه في أحسن تقويم.

كثيرة هي القصص والمواقف حولنا التي تلفت انتباهنا لهذه الحقيقة؛ الخدوش السطحية التي يتخثر حولها قطرات الدم ثم تختفي وتلتئم وينمو مكانها جلد جديد قبل أن ننتبه، الآلام المختلفة في الرأس أو الجسم والتي تزول وتختفي بعد الحصول على قدر كاف من النوم، الرضوض والالتواءات البسيطة التي تتحسن بعد أخذ قسط كاف من الراحة، كل تلك الأحداث شبه اليومية في حياتنا تؤكد على أن العافية والشفاء نعمة عظيمة وضعها الله في أجسامنا وفي أصل خلقتنا.

حقيقة أخرى يتنبه لها من يحسن التأمل ويتمعن فيما حوله؛ وهي أن المرض لا يصيب الجميع دائما، يحدث كثيرا في موسم الحج – على سبيل المثال – أن تصاب أسرة من الحجاج بمرض ما.. وتبقى إحدى السيدات من تلك الأسرة بصحة جيدة، وتباشر تمريض ورعاية بقية أفراد الأسرة حتى انقضاء الأزمة.

أمر ثالث؛ أن أثر نفس المرض يختلف من شخص لآخر، بعض المرضى يشتد عليهم المرض ليلا ونهارا، وبعضهم تشتد وطأته عليهم في ساعات الليل فقط، وبعضهم رغم إنهاكه الجسدي الشديد تلقاه منشرحا متفائلا ميالا للبهجة، وغيره ينكمش ويغرق في الأسى على نفسه رغم خفة مظاهر المرض عليه، كما أن سرعة التعافي تختلف من شخص لآخر.. حتى مع تناول الدواء.

وأمر آخر وملاحظة أخرى يراها كثيرون دون أن ينتبهوا لها، عندما تتحسن صحة الأطفال المرضى مع حضور والدهم الغائب، أو تخف الآلام النفسية والجسدية في حضن الأم، أو ينشط الخامل المنهك من ثقل المرض بلمسة حنان أو قبلة عطف.

وأمور أخرى كثيرة تؤكد في مجملها أن الشفاء وأسبابه هبة من الله جل وعلا مغروسة في أصل خلقة الإنسان، وأن للمرض والعافية قوانين وضعها سبحانه وتعالى، وليست تلك القوانين سطحية مباشرة كالسبب والنتيجة؛ بل لها جوانب متعددة متراكبة ومتداخلة.. ظاهرة وخفية، وكما أنه سبحانه وضع تلك القوانين فإنه يكرم عباده ويهديهم لبعض مفاتيحها.. يقسمها بين من يرعون صحة البشر كما يقسم الأرزاق والأعمار؛ فلا يمتلك أحد مفاتيح العافية كلها، ولا يدرك فرد أو جماعة وحدهم مفاهيم المرض كلها.. بل يتمايز البشر في ذلك حسب تيسير الله وفتحه لهم.

كلما ازداد إدراك المرء لتلك الحقائق ازدادت قدرته على استيعاب وبالتالي تقبُّل فكرة أن للشفاء والعلاج مدارس وطرائق مختلفة، تتفاضل فيما بينها من عدة جوانب، وأن ما هو معقد عسير هنا تجد علاجه ميسورا هناك، كما أن فهم البشر للصحة والمرض يتفاوت عمقا وتسطيحا بين مدرسة وأخرى.. وكم يوجد في النهر مما لا يوجد في البحر.

الهوميوباثي أو الطب التجانسي أحد تلك المدارس المختلفة؛ يدعم قدرات الشفاء الموجودة في الإنسان، ويتعامل مع المرضى بلطف وفعالية وعمق، ربما سمعت عنه وربما لا، إنما من خلال التعرف عليه عبر تدوينات “دكتور السقدانة” سنطل معا على عالم بهيج من الفهم العميق – والجديد في بعض الأحيان – لقوانين الصحة والمرض والتداوي الموصل بعون الله للعافية.

فمرحبا بكم في عالم الهوميوباثي الآسر، ومرحبا بالعافية في حياتكم.

*الصورة المصاحبة لزهرة الكاليندولا الساحرة، وهي من ضمن الأدوية الأساسية لصيدلية الهوميوباثي.