مرحبا بالهوميوباثي.. ومرحبا بالعافية

شاهدت مرة جانبا من فيلم وثائقي عن بعض هواة صيد السمك برفقة أحد أبرز معلمي الغوص وهواة الصيد في العالم العربي، يصور الوثائقي مغامرات صيد الأسماك الكبيرة من قارب صغير نسبيا في البحر المفتوح، وكان الصيادون يتنافسون في ما بينهم باستعراض حجم السمكة التي يصطادها كل منهم، أسماك ضخمة الحجم جميلة الشكل.. وكما تبدو فهي شهية الطعم، المفاجئ لي أن الاستعراض يستغرق بضع دقائق يحمل فيها الصياد سمكته – التي لا يقل طولها عن طوله بكثير – ويتصور معها باسما فرحا، ثم ينزع من فمها مخلب السنارة ويلقيها في الماء.

اعتبرت هذا الفعل في غاية الوحشية، إلا أن رفيقي نظر لي باسما وقال: لا تحزن على الأسماك؛ فهي ستتعافى من جرح فمها في بضع دقائق، كل مخلوقات الله لديها القدرة على التحمل والتعافي السريع، والإنسان هو المخلوق الضعيف الذي يكثر التشكي.

رغم أن تبريره لم يخفف كثيرا من وحشية تلك الهواية في نظري، إلا أنه نبهني إلى أن التعافي إنما يكون من داخل الجسم لا من خارجه، هذا التعافي يكون في الحيوانات القوية كما يتم في الإنسان الضعيف الذي خلقه ربه في أحسن تقويم.

كثيرة هي القصص والمواقف حولنا التي تلفت انتباهنا لهذه الحقيقة؛ الخدوش السطحية التي يتخثر حولها قطرات الدم ثم تختفي وتلتئم وينمو مكانها جلد جديد قبل أن ننتبه، الآلام المختلفة في الرأس أو الجسم والتي تزول وتختفي بعد الحصول على قدر كاف من النوم، الرضوض والالتواءات البسيطة التي تتحسن بعد أخذ قسط كاف من الراحة، كل تلك الأحداث شبه اليومية في حياتنا تؤكد على أن العافية والشفاء نعمة عظيمة وضعها الله في أجسامنا وفي أصل خلقتنا.

حقيقة أخرى يتنبه لها من يحسن التأمل ويتمعن فيما حوله؛ وهي أن المرض لا يصيب الجميع دائما، يحدث كثيرا في موسم الحج – على سبيل المثال – أن تصاب أسرة من الحجاج بمرض ما.. وتبقى إحدى السيدات من تلك الأسرة بصحة جيدة، وتباشر تمريض ورعاية بقية أفراد الأسرة حتى انقضاء الأزمة.

أمر ثالث؛ أن أثر نفس المرض يختلف من شخص لآخر، بعض المرضى يشتد عليهم المرض ليلا ونهارا، وبعضهم تشتد وطأته عليهم في ساعات الليل فقط، وبعضهم رغم إنهاكه الجسدي الشديد تلقاه منشرحا متفائلا ميالا للبهجة، وغيره ينكمش ويغرق في الأسى على نفسه رغم خفة مظاهر المرض عليه، كما أن سرعة التعافي تختلف من شخص لآخر.. حتى مع تناول الدواء.

وأمر آخر وملاحظة أخرى يراها كثيرون دون أن ينتبهوا لها، عندما تتحسن صحة الأطفال المرضى مع حضور والدهم الغائب، أو تخف الآلام النفسية والجسدية في حضن الأم، أو ينشط الخامل المنهك من ثقل المرض بلمسة حنان أو قبلة عطف.

وأمور أخرى كثيرة تؤكد في مجملها أن الشفاء وأسبابه هبة من الله جل وعلا مغروسة في أصل خلقة الإنسان، وأن للمرض والعافية قوانين وضعها سبحانه وتعالى، وليست تلك القوانين سطحية مباشرة كالسبب والنتيجة؛ بل لها جوانب متعددة متراكبة ومتداخلة.. ظاهرة وخفية، وكما أنه سبحانه وضع تلك القوانين فإنه يكرم عباده ويهديهم لبعض مفاتيحها.. يقسمها بين من يرعون صحة البشر كما يقسم الأرزاق والأعمار؛ فلا يمتلك أحد مفاتيح العافية كلها، ولا يدرك فرد أو جماعة وحدهم مفاهيم المرض كلها.. بل يتمايز البشر في ذلك حسب تيسير الله وفتحه لهم.

كلما ازداد إدراك المرء لتلك الحقائق ازدادت قدرته على استيعاب وبالتالي تقبُّل فكرة أن للشفاء والعلاج مدارس وطرائق مختلفة، تتفاضل فيما بينها من عدة جوانب، وأن ما هو معقد عسير هنا تجد علاجه ميسورا هناك، كما أن فهم البشر للصحة والمرض يتفاوت عمقا وتسطيحا بين مدرسة وأخرى.. وكم يوجد في النهر مما لا يوجد في البحر.

الهوميوباثي أو الطب التجانسي أحد تلك المدارس المختلفة؛ يدعم قدرات الشفاء الموجودة في الإنسان، ويتعامل مع المرضى بلطف وفعالية وعمق، ربما سمعت عنه وربما لا، إنما من خلال التعرف عليه عبر تدوينات “دكتور السقدانة” سنطل معا على عالم بهيج من الفهم العميق – والجديد في بعض الأحيان – لقوانين الصحة والمرض والتداوي الموصل بعون الله للعافية.

فمرحبا بكم في عالم الهوميوباثي الآسر، ومرحبا بالعافية في حياتكم.

*الصورة المصاحبة لزهرة الكاليندولا الساحرة، وهي من ضمن الأدوية الأساسية لصيدلية الهوميوباثي.